ابن خلكان

63

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

قلتم : أعطانا دون حقنا وقصر بنا عن قدرنا ، فصرت كالمسلوب ، والمسلوب لا حمد له ، هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم ؛ قال : فأقبل ابن عباس فقال : أما واللّه ما منحتنا شيئا حتى سألناه ، ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه ، ولئن قطعت عنا خيرك فاللّه أوسع خيرا منك ، ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفّنّ أنفسنا عنك ، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل واحد من المسلمين ، ولنا في كتاب اللّه حقان : حق في الغنيمة وحق في الفيء . فالغنيمة ما غلبنا عليه والفيء ما احتسبناه ، ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خفّ ولا حافر . كفاك أم أزيدك ؟ قال : كفاني فإنك لا تهرّ ولا تنبح . وحكى المدائني قال : قام عمرو بن العاص في موسم من مواسم العرب فأطرى معاوية بن أبي سفيان وبني أمية وذكر مشاهده بصفين ، واجتمعت قريش فأقبل عبد اللّه بن عباس على عمرو فقال : يا عمرو انك بعت دينك من معاوية وأعطيته ما بيدك ، ومنّاك ما بيد غيره ، فكان الذي أخذ منك أكثر مما أعطاك ، والذي أخذت منه دون الذي أعطيته ، وكلّ راض بما أخذ وأعطي ، فلما صارت مصر في يدك كدرها عليك بالعزل والتنغيص حتى لو كانت نفسك بيدك ألقيتها ؛ وذكرت مشاهدك بصفين فو اللّه ما ثقلت علينا وطأتك ولقد كشفت فيها عورتك ، وإن كنت لطويل اللسان ، قصير السنان ، آخر الخيل إذا أقبلت ، وأولها إذا أدبرت ، لك يدان : يد لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تقبضها عن شر ، ووجهان : وجه موحش ووجه مؤيس ، ولعمري ان من باع دينه بدنيا غيره لحريّ أن يطول ندمه . لك لسان وفيك خطل ، ولك رأي وفيك نكد ، ولك قدر وفيك حسد ، فأصغر عيب فيك أكبر عيب فيّ . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : ما رأيت رجلا لي عنده معروف إلا أضاء ما بيني وبينه . وقال رضي اللّه عنه : أربعة لا أقدر على مكافأتهم : رجل بدأني بالسلام ، ورجل وسع لي في المجلس ، ورجل اغبرت قدماه في المشي في حاجتي ، فأما الرابع فما يكافئه عني إلا اللّه عز وجل ، قيل : ومن هو ؟ قال : رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكر فيمن يقصده ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي .